في رحلة البحث عن وطن
رغم صعوبة وضع التهريب على الحدود التركية، وعمليات القتل والتعذيب التي تنفذها الجندرما التركية بحق السوريين الهاربين من جحيم البلاد، لازالت افواج العابرين نحو مناطق ماتسمى بنبع السلام، اتحفظ جداً على هذا الأسم والمصطلح كونه اسم عملية عسكرية واحب ان اسمي المناطق بأسمها، تل ابيض ورأس العين، بشكل شبه يومي تصل لمحافظة ديرالزور والرقة افواج من السوريين من المحافظات الداخلية والغربية والجنوبية جلهم من الشباب ياحثين عن أمل في الدخول لتركيا ثم اوروبا لمواصلة حياتهم، وللبحث عن مستقبل هناك، وتتلقفهم مافيات التهريب في مناطق قسد ومناطق النظام وتستغلهم لأمور شتى ..
اليوم صباحاً ومع ساعات الفجر الأولى أهمُ كعادتي للذهاب لعملي في "ورشة" تصادفني سيارة بيك اب مسرعة تقفُ في حينا، امام منزل احد قادة مجموعات ميليشيا الدفاع الوطني وينزل منها (3) شباب وشابتين، احد الشباب كان يجلس في الخلف في حوض السيارة ونزل وهو يرتجف من البرد، سألت صديق لييعمل معي، وجار لذاك الشخص (هنا لايخفى شئ)
-ماهي القصة؟ من هؤلاء؟ اجابني ساخراً رزقة جديدة لأبو علي (دفاع وطني) شكلهم شوام رايحين تهريب ع تركيا !
الاساليب نفسها لازالت لميليشيات النظام والتهريب لايتوقف، بل تشرف عليه ميليشيات موالية للنظام وقسد كذلك ويتم عبر شبكات ضخمة للتهريبتستغل السوريين القادمين من دمشق وحمص وحماة بالذات، تجلبهم لدير الزور عبر سماسرة، وكون الفرات اضحى حدود بين دولتين، فيهربون البشر عبر الفرات، وهناك ينتظرهم مهربون يصطحبونهم بسيارات تابعة لقسد واحيانا لمهربين وصولا للرقة ثم تل ابيض وراس العين حيث بسلمونهم بدورهملشبكات تهريب هناك، وتكلف عمليات العبور لديرالزور اولاً 250$ ثم التهريب لمناطق قسد جزيرة حوالي 150-250$ وتتم عبر عناصر النظام ويضلع فيها عناصر دفاع وطني بالدرجة الاولى، ثم حرس ثوري، ثم امن سياسي وهو شي معروف، واحيانا تحصل مشاكل بينهم حول الزبائن، ولايجد هذا السوري البائس الهارب وسيلة الا ان يدفع عندما يبتزونه اكثر، ادفع والا تُسجن، وعلى الحدود التركية تبدأ عمليات الاستغلال الكبرى اذ تبلغ قيمة التهريب اليوم من تل ابيض وراس العين نحو تركيا مايقارب 1500$ واكثر، وهناك يتبارى المهربون بالكذب والدجل والنصب والاستغلال، وفي مناطق الوطني هناك تفاجئ انهامناطق تشبه سوريا مصغرة اذ يتجمع المئات من مختلف المحافظات ولايجمعهم سوى شئ واحد فقط، الهروب من هذا الجحيم وليحصل مايحصل، احيانا هناك مجموعات تهمُ بمحاولة عبور الحدود يصادفهم مهربون يحملون جثة شخص قضى بيد الجندرما من الضرب او برصاصة، مع ذلك لا يأبه السوريون بهذا .. ولا يكترثوناليأس اوصل الناس لنقطة اللاعودة، الهروب فقط ولعلني انجح، ييررون لانفسهم انهم لن يلقوا مصير ذاك المتوفي الذي كان يحمل احلاما وامالا له وربما لعائلته في بلد يحفظ كرامتهم في اوربا طبعاً، لكن القدر اسرع، حيث يقضي العشرات قتلى بالتعذيب او برصاص جاندرما الذين باتت محارسهمداخل الاراضي السورية ويساندهم عناصر لما يسمى بالوطني، وهم انفسهم المهربون كذلك، في الرقة لايختلف المشهد بل الاسلوب حيث باتت صهاريج القاطرجي وسيلة تهريب لمناطق قسد التي تمنع دخول السوريين من غير سكان الرقة والحسكة (القرداحة) الا بكفيل، هنا تعمل مافيات تهريب بشرتنسق مع ميليشيا القاطرجي وكوادر من PYD لادخال شباب ونساء للرقة من حمص بالذات حيث يجلبونهم معهم بالصهريج والذي يحظى سائقه بحصانة من التفتيش على حواجز الاسد وقسد كونه مع القاطرجي، ومن الرقة يتجه المهاجر شمالا لراس العين وتل ابيض وينتظر ويحاول العبور لتركيا من هناك.
موضوع اخر يؤلمني الحديث عنه الا وهو عمليات الاستغلال التي يتعرض لها السوريين من مختلف هؤلاء، ومنها استغلال جنسي يقوم به عناصر النظام ومهربين في الشمال، عدا الابتزاز المالي الذي يقوم به مهربين يعملون مع عناصر من الوطني او قسد كذلك فلك ان تتخيل الطريق الذي يسلكه هكذا مهاجر ..الكل متورط بمأساة السوريين سواء عناصر الاسد وقسد والوطني، والكل شريك بمعاناتهم، وتطفيشهم من بلادهم ثم تهريبهم واستغلالهم هناك، الحديث عن الموضوع طويل وتفاصيله مؤلمة، لك ان تتخيل ان هذه فقط بداية الرحلة، فما بالك بما يحصل لاحقاً في تركيا واليونان !
ويقولك الامل بالعمل .. !الحديث اليومي للجميع هنا هو وضع الطريق .. طريق التهريب .. وياترى ماذا تنوي ان تبيع لتهاجر؟ ومن سوف يعطيك المال ديناً لتهاجر ؟ تخلو الشوارع من الشباب تماما الا مراهقين طلاب مدارس، وسوف يهاجرون حتما عند التخرج، لايصادفني في الشوارع الا كبار سن واناث فقط نادرا ما ارى شاباً ..الكل هاجر، ومن تبقى لايمتلك اجرة المُهرب، اتحفظ كذلك على اسم دولة او وطن في هذا المكان، هو عبارة عن مزرعة لشخص، او سجن كبير، واحيانا وكما يقول صديق لي، زريبة كبيرة .. "اجلكم الله" ..باتت وجوه الافغان والايرانيين والغرباء هي من تسود المشهد هنا، وهم وحدهم من يضحكون اما من تبقى من البؤساء من سكان هذا المكان المسمى "وطن" فأجزمُ ان اخر مرة ابتسموا فيها كانت من سنوات، هنا يطبق المثل "غريبٌ في وطني".
مجددا لاتصلح كلمة وطن في وصف هذا الجحيم .
تعليقات
إرسال تعليق