دبي

‏‎

تمر سيارة فخمة مرسيدس سوداء على طريق اسفلتي (سوري)  يعني مليان حفر ومطبات، ترافقها سيارة حماية فيها اربعة عناصر يلبسون الزي المدني مع جعبهم ومسلحون، تنعطف قرب احد بيوت العزاء في حينا، ما ان ينزل الرجل ويمد قدمه ويصلُ حذائهُ الارض (الذي يلمع من شدة الاناقة) حتى يتراكض اليه‏كل من في العزاء، وجهاء وناس عاديين، واهل الميت، يتسابقون للسلام عليه، يقف الجميع كالمسمار، ويجلس ذاك الرفيق المناضل في صدر المجلس، عمرهُ الان اعتقد حوالي ستين عاماً، هو من عشيرتي التي انتمي اليها، قضى اكثر من نصف عمره يركض جاهدا بين افرع الامن والُشعب الحزبية، ساعيا لمجد شخصي ، خطهُ جميلٌ جداً، ساهم بأعتقال اكثر من الف شخص حسب ماقال احد ابناء عمه المقربين والنازح في الرقة، بات يرتدي الان بدلات انيقة، وربطات عنق (گرافات)، كان شبه منبوذ في المنطقة ومكروها، كان يلقبونه قبل واثناء سنوات الثورة بــ المخبر ، وݘلب الأمن، و الفسفوس، مع ذلك فالجميع يخشاه. 

 كان الرجل يعمل مدرسا، ومديرا لأحدى المدارس خلال اعوام 2007 و 2008 كان ابنائه يدرسون معي، تفجرت للرجل قضية تحرش بأنسة وكيلة من منطقة ما، تم اعتقاله يومها مع احد الموجهين كانا يستغلان المدرسات يومها تسربت اخبار ان عدد الانسات اللواتي تم استغلالهن عبر هذين الشخصين هن اكثر من 100‏تم اعتقالهم (3) ايام فقط، ثم خرجوا وعادوا لاماكنهم اما الانسة فقط تم فصلها، يومها كان "اذنُ" المدرسة قريبا لنا كان شيخا كبيرا، اتذكر حديثه عن تلك الحادثة مع عمي، قال كلنا سمعنا صراخ الانسة المسكينة، حاول التحرش بها ثم ضربته، ركضنا مسرعين نحو الادارة، وطردنا، اشتكت عليه لكن عبثاً‏انه مدعوم ! واسطته قوية عند كل فروع الامن ويعرف ناس من الجماعة، كان في بالي سؤال يراودني دوما، من هم الجماعة !؟ سمعت اجوبة كثيرة لكن كنت فعلا اود معرفة هل هم بشر ؟ بهكذا افعال ؟ 

قضايا الاستغلال التي يتعرض لها البسطاء، والذل والخوف والرعب كانت تملأ تلك الاعوام قبل الثورة ..‏اي شخص يفكر كان ليقول كيف كنا نعيش ؟ وما هو عقل ذلك الذي يردد عبارة كنا عايشين
هل جرب الفقر والبحث عن وظيفة وواسطة، والدي مثلا لديه ماستر بأختصاص ما، لقد رموه موظفا في مؤسسة، مديرها ليس لدية شهادة جامعية، لم يكن راتبه يكفي (10) ايام في الشهر، كان يمضي باقي ايام الشهر بالاستدانه !‏قضايا الفساد والمحسوبيات كانت مرعبة وتخيم على حياة الناس بكل جزئية. 

اعود لذلك الفاسد في بيت العزاء

وقف مخاطبا للناس ان عليهم الصبر، والمنطقة ستتحسن اولا بأول، وسيادة الرئيس يعلم حال الناس وهناك مفاجئات قادمة ! يجب ان نتعاون ونتكاتف، هي مؤامرة ضخمة على بلدنا‏دمروا البلد العملاء الخونة، بحجة الحرية ! 
ايش هاي الحرية يلي دمرت بيوتنا، وسرقونا وجابلونا دواعش قطعوا روس وذبحوا ! انتم الاصل، وحتى هدول يلي راحوا اوربا وتركيا بدهم يدفعوا الثمن بعدين !

انتهى الكلام وتعالت صيحات : صح لسانك، الله يديمكم ذخر .. الخ ..‏

ساهم هذا الرجل بتجنيد العشرات من ابناء المنطقة وقرى الريف الشرقي، خصوصا من ابناء عشيرته في قضية المصالحات، بعد ان قبض على كل شخص عائد لمنزله ولو كان شيخا مبالغ مالية وصلت مليون او مليونين ليرة ! ومن لم يدفع كتب به تقريرا وعبر التنسيق مع امن الدولة، يكون هو الواسطة والتي سوف تطلق سراح هذا المعتقل المسكين، اخر المعتقلين كان من جيرانه، رجل بسيط جدا كان يعمل في الجمعية الفلاحية، هل تصدقون ان ابنه باع كل مايملك حتى يخرج والده ! باع ارض اجداده والتي توارثوها منذ 100 سنة واكثر، وباع المنزل ! كانت التهمة التعامل مع داعش !‏افكر احيانا كيف لشخص ان يكون بهذه النذاله وهذا الشر، خرج والده اخيرا بعد ان دفع ابنه (40) ميلون - واسطات، ترك المدينة ونزح للجزيرة للأبد، لم يبق شئ له هنا، الشاب كان ذكيا فقد دفع لاحد ضباط الامن رشوى لكي يعرف كاتب التقرير ، كان هو ذاك المخبر النذل من اي طينة هو .. لا اعلم‏ ..

في احصائية بسيطة للشباب الذين جندهم هذا الشخص يصل عددهم 80 شابا، دفاع وطني وجيش نظامي، مات حوالي 20 منهم خلال سنوات 2018 - 2020 ، تركوا اهاليهم في فقر مدقع، ولو اخذتك لحال ابنائه فهم خريجون الاول دفع البدل ويقيم في دمشق الان ، لقد اشترى والده منزلين هناك‏وبينما احدثكم الان تكون طائرة الابن الثاني قد وصلت دبي، لقد اخرج ابنه الاخر من سوريا نحو دبي، باتت الامارات اليوم وجهة اهل الداخل الميسورين، بينما يقف الشباب الذين ورطهم وجندهم في جبهات جيش الاسد وهم مشاريع موتى بلا شك، اتسائل ماذا عن عبارات الصمود تلك التي كان يرويها ..؟‏خلال سنوات الثورة قيل انه كان يلاحق المظاهرات لتوثيق اسماء من تظاهر، اعتقله الجيش الحر يومها كانوا من ابناء المنطقة، كانوا ثوارا بسطاء، هددوه والتزم منزله، وفي العام 2013 ترك ديرالزور وسافر نحو دمشق، وفي العام 2017 عاد على احدى دبابات جيش الاسد، وبات شخصا اخر، ويبدو انه ينتقم‏لازالت اغلب تلك الفئة والتي يلقبها كبار السن والشباب بــ ترباية الشايب، اي اولئك المفسدين الذين تربوا في عهد حافظ، بذات العقلية. 

 لاشئ يوحي بأن هناك شيئا تغير في البلاد بعد 10 سنوات، مناطق النظام هي هي، ماتغير ان الفساد بات مضاعفا والقهر بات لامتناهيا، رأيت فيديو لذاك الوضيع‏البارحة، ملامحه الفاسدة توحي بماهيته، يراودني سؤال دوما في خاطري، هل حقا هناك عدل في الحياة ؟

من يقولون ان ثمة عدلا على ماذا يراهنون، بعيدا عن العدل الالهي، اتحدث عن الدنيا هنا .. !

لي اصحاب وجيران اطباء ومهندسون وصيادله لم يكملوا تعليمهم مع انهم كانوا دهاة ..‏لانهم سلكوا طريق الثورة، وضحوا بكل شئ، اقسم ان احدهم يحمل شهادة هندسة بتروكيماوية ويعمل على مكبس بلوك في خط الجزيرة، واخر حقوقي في بسطة خضرة !

وغيرهم الكثير الكثير ممن ضحوا بكل شئ في سبيل الكرامة، يعجبني هذا الجيل جدا .‏هل حياة ابناء الفاسدين المرفهه والذين يهربون للخارج، يمكن مقارنتها بحياة هؤلاء البسطاء والناجحين ؟ 

مؤخرا تصل لمسامعي اخبار من اصدقاء لي عن قيام المئات من ابناء محافظات ثانية من المقيمين في اوربا بدفع بدل العسكرية للنظام ! 

هل هي متلازمة استوكهولم ؟‏لازال يحز في بالي موقف ظريف مع صديق لي نازح في الجزيرة بمناطق ديرالزور  يقيم في الريف الشرقي، هو صديق طفولة وخريج هندسة مدنية، حاول التوظف عند جماعة الادارة او المنظمات لم يفلح لانها واسطات وعشائريات، دعوني اتكلم بالشاوية وافصل الموقف :‏كنا قاعدين عالارض جنب دكان، نتسولف ونضحك ويشكيلي عن الوضع ونناقش اسباب فشل الثورة ومحدا دريان بينا اساسا، لكن حديث شارع .. هو ماسك موبايله ويقلب بفيسبوك، فجأة طلع بوست قدامه وبلش يضحك !  شوفني البوست وان فيه صورة واحد من منطقتنا، ناشر صورة له بدبي ..‏وواقف قدام شركة "مبيدات حشرية" وكاتب بالبوست : تم بعونه تعالى افتتاح شركتنا الجديدة، ولفتني عبارة

 " هذا من فضل ربي" .. 

صاحب الشركة هذا الشب، طلع لدبي من فترة بسيطة وابوه شبيح معروف بأمن الدولة، والولد بالصورة دفع بدل وطلع نحو بلاد الحرية .. 

كان لابس بنتكور ونظارات ..‏ووجهه مشرق ومو شايف شمس، يبدو يستخدم كريمات من زمان ع قولة صاحبي، للصدفة جاء البوست والصورة في توقيت كنا فيه نتكلم عن العدل وحال الثورة !

عموماً اشعر بالفخر اني من هذا الجيل الثائر والذي قال لا لاكبر طاغية في الشرق، ‏اشعر بالفخر أنني من هذا الجيل، سواء انتصرت الثورة ام لم تنتصر، لقد فعلنا شيئا، حاولنا، رغم ما حصل وما حدث، حالنا حال ملايين السوريين الشرفاء، كان الثمن غاليا نعم،

 لكن على قولة شيابنا : "اذا سالفة كرامة وشرف الروح ترخص لها"،  تماماً‏المصاب كبير والمأساة كبيرة لكن الحياة مواقف وهذا عزائنا، يحز بقلبي شي واحد بس ان اجيال كاملة شقيت وراح تشقى، وحال الناس يقهر، مع ذلك املنا بالله ݘبير، وثمن الحرية والكرامة دوماً ݘبير

وسننتصر مهما طال الزمان .. 



(جزء من النص مفقود)  

كتبتهُ في 26.10.2021

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عن ألطف قومية بيننا "الگرباط"

حصيلة أحداث شهر مايو في البادية

حقيبة

ميليشيا الحرس الثوري الإيراني تبحث عن موطأ قدم في الريف الغربي لديرالزور

- التيارات المتصارعة داخل التنظيم

مجزرة الشعيطات الذكرى السابعه 8.8.2021